محمد بيومي مهران
157
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
التوحيد التي كانت قد عرفت قبل تولي يوسف مقاليد الحكم في مصر ، لا بد أن تكون قد انتشرت بعد ذلك واستقرت على نطاق واسع في أثناء توليه الحكم ، ثم من بعد ذلك في عهد أسرة الرعاة ( الهكسوس ) فلما استرد الفراعنة زمام الأمور في الأسرة الثامنة عشرة أخذوا يقاومون ديانة التوحيد ممثلة في ذرية يعقوب التي تكاثرت في مصر ، لإعادة الوثنية التي تقوم عليها الفرعونية ، وهكذا يكشف لنا سببا أصيلا من أسباب اضطهاد الفراعنة بعد ذلك لبني يعقوب ، إلى جانب السبب السياسي ، وهو أنهم جاءوا واستوطنوا وحكموا واستقروا في عهد ملوك الرعاة ( الهكسوس ) فلما طرد المصريون ملوك الرعاة طاردوا حلفاءهم من بني يعقوب أيضا ، وإن كان إختلاف العقيدتين ينبغي أن يكون هو التفسير الأقوى لذلك الاضطهاد الفظيع ، ذلك أن انتشار عقيدة التوحيد الصحيحة يحطم القاعدة التي يقوم عليها ملك الفراعنة ، فهي العدو الأصيل للطواغيت وحكم الطواغيت وربوبية الطواغيت « 1 » . ورغم جاذبية هذه النظرية ، وما فيها من أوجه صواب ، فإن فيها نقاط ضعف أيضا ، منها ( أولا ) أن الهكسوس ، على الأقل بعد عهد يوسف عليه السلام ، لم يكونوا موحدين بدليل أن ملكهم أبو فيس الذي قامت ضده حرب التحرير لم يكن موحدا ، فلقد أطلق على نفسه في رسالته لأمير كوش « عاوسررع ، ابن رع ، أبوبي » ، كما وصف نفسه ، كما أشرنا من قبل ، بأنه « ابن رع من جسده » و « الصورة الحية لرع على الأرض » ، وبدهي أن هذه ليست أسماء أو صفات الموحدين ، ومنها ( ثانيا ) أن كثيرا من ملوك الهكسوس ، بعد عهد يوسف ، قد قبلوا عبادة إله الشمس رع ، بجانب ست ، كما أن كثيرا من ملوكهم ، كما أشرنا من قبل ، كانت لهم أسماء مركبة من اسم « رع » مثل « هائلة هي قوة رع » و « رع هو سيد السيف » .
--> ( 1 ) في ظلال القرآن 4 / 1961 ( بيروت 1982 ) .